عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

135

اللباب في علوم الكتاب

وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات اللّه ثمنا قليلا ، كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ « أولئك » مبتدأ ، وأما « لَهُمْ أَجْرُهُمْ » ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون « لهم » خبرا مقدّما ، و « أجرهم » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر الأول ، وعلى هذا فالظرف فيه وجهان : الأول : أنه متعلق ب « أجرهم » . الثاني : أنه حال من الضمير في « لهم » وهو ضمير الأجر ، لأنه واقع خبرا . ثانيها : أن يرتفع « أجرهم » بالجارّ قبله ، وفي الظرف الوجهان ، إلا أنّ الحال من « أجرهم » الظاهر ؛ لأن « لهم » لا ضمير فيه حينئذ . ثالثها : أن الظرف هو خبر « أجرهم » و « لهم » متعلق بما تعلّق به هذا الظرف من الثبوت والاستقرار . ومن هنا إلى آخر السورة تقدم إعراب نظائره . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) قال ابن الخطيب : « ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الإنسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بدّ فيه من الصّبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة » . قال الحسن : اصبروا على دينكم ، فلا تدعوه لشدّة لا رخاء . وقال قتادة : اصبروا على طاعة اللّه ، وصابروا أهل الضلالة ، ورابطوا في سبيل اللّه . وقال الضحاك ، ومقاتل بن سليمان : على أمر اللّه . وقال مقاتل بن حيان : على فرائض اللّه . وقال زيد بن أسلم : على الجهاد . وقال الكلبيّ على البلاء . واعلم أن الصبر يدخل تحته أنواع : الصبر على مشقّة النظر والاستدلال على الطاعات ، وعلى الاحتراز عن المنهيّات ، وعلى شدائد الدّنيا من الفقر ، والقحط والخوف ، وأما المصابرة فهي تحمّل المكاره الواقعة بينه وبين غيره ، كتحمّل الأخلاق الرديئة من أهله وجيرانه وترك الانتقام كقوله تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] وإيثار الغير على نفسه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقوله : اصْبِرُوا وَصابِرُوا من الجناس اللفظي ، وكذلك قوله : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ [ التوبة : 38 ] « وَصابِرُوا » يعني الكفار ، « وَرابِطُوا » يعني المشركين . قال أبو عبيدة : « أي : اثبتوا وداوموا » والربط : الشد ، وأصل المرابطة : أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم بحيث يكون كل من الخصمين مستعدا لقتال الآخر ثم قيل